فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
الأمير أحمد بن طراباي الحارثي والدولة العثمانية الجزء الثاني
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى وادي الحوارث
כדילתרגם לעברית
مشاركة Wadina في تاريخ 8 آذار، 2010
ويبدو أن الأمير أحمد بن طراباي رغم مناصرته للعثمانيين في حربهم ضد ابن جنبلاط، قد آثر عدم الانضمام إلى حملة مراد باشا والي دمشق على الأخير، معتذراً عن السفر ومكتفياً بإرسال رسول وهدية، بعدما رأى أن لا مصلحة له في حرب بعيدة عن حدوده، خاصة وأن خطر فخر الدين محدق به وأطماعه مجاورة له، بعد أن مدّ الأخير نفوذه على سناجق صيدا وبيروت وغزير(55).

ولمواجهة الخطر الذي شكله فخر الدين على نفوذ العثمانيين في فلسطين، وللحد من نفوذه المتصاعد، عيّن الباب العالي والياً جديداً على دمشق عام 1018هـ/1609م هو أحمد باشا الحافظ، الذي جعل كل همّه مقاومة فخر الدين، وقد بدأ أحمد باشا عهده بإثارة الأمراء المحليين المعادين لفخر الدين ضده(56)، مع العلم أنه نادراً ما كان يحدث اتفاق وإجماع بين مناوئ فخر الدين المحليين ووالي دمشق والحكومة المركزية في الآستانة، وقد أدّى هذا الاتفاق إلى إمكانية وجود عمل جماعي مؤثر ضد فخر الدين(57).

عمد أحمد باشا الحافظ إلى تشجيع آل سيفا حكّام طرابلس وأثار الاضطرابات على فخر الدين في منطقتي البقاع وعجلون الخاضعتين لسيطرته ونفوذه، كما حاول القضاء على حلفاء فخر الدين مثل الأمير يونس الحرفوش حاكم بعلبك والأمير أحمد الشهابي حاكم وادي التيم؛ لكنه فشل في مسعاه بعدما أرسل فخر الدين النجدة لهما. هذا الفشل الذي لقيه أحمد باشا دعاه إلى طلب مقابلة الصدر الأعظم نصوح باشا في حلب ـ الذي كان بدوره معادياً لفخر الدين ـ والاشتكاء له من تصرفات فخر الدين، وممن رافق الوالي في المقابلة المذكورة الأمير فرّوخ بن عبد الله الذي أنعم عليه نصوح باشا بسنجقية نابلس وعجلون والكرك عوضاً عن حمدان بن قانصوه(58)، كما عزل الصدر الأعظم الشيخ عمرو شيخ عرب المفارجة عن بلاد حوران وأعطاها للشيخ رشيد شيخ عرب السرديّة، ما دعا الزعيمين المعزولين لطلب النجدة والمساعدة من فخر الدين، لكنه تلكّأ في نجدتهما وطلب منهما إمهاله بعض الوقت لتسوية الأمر مع الصدر الأعظم(59).

ويبدو أن الأمير فخر الدين واجه ضغوطاً من جانب رجال حاشيته، فاضطر لتجريد حملة عسكرية جعل قيادتها لولده الأمير علي ذو الخمسة عشر عاما ً، فتمكن من إلحاق الهزيمة بفرّوخ وعرب السرديّة في المزيريب بأرض حوران في غرة ربيع الثاني 1022هـ/1613م، ونجح الأمير علي وأعوانه من دخول عين جالوت في بلاد عجلون، فأعاد الأمير حمدان بن قانصوه إلى عمله السابق في سنجقية عجلون(60).

ولما كان الوقت في غير صالح فخر الدين بعدما تكالبت القوى المعادية له لا للحد من نفوذه فحسب، بل للقضاء المبرم عليه وعلى إمارته، فقد أصدرت السلطات العثمانية الأوامر لأحمد باشا الحافظ بالزحف على فخر الدين، وانضم إليه الأمراء المحليون كالأمير فرّوخ، والأمير أحمد بن طراباي، وآل سيفا، ومدّه السلطان بقواتٍ من حلب والأناضول، كما أُرسلت مجموعة من السفن الحربية إلى الساحل اللبناني، فاكتسحت القوات العثمانية فخر الدين.

ولما رأى فخر الدين ألاَّ طاقة له بالتصدّي لقوة والي الشام وحزبه، ورأى شدة حصاره لقلعة الشقيف في جنوب لبنان المحصنة، وإلى إرساله لقوات أخرى ضد الشوف نفسه معقل فخر الدين، إضافة إلى تيقّن الأخير من عجز حلفائه وعدم اكتراثهم به وبمصيره، عند ذاك اضطر إلى التوجه إلى صيدا، ومنها سافر بحراً إلى ليغهورن Leghorn أحد مرافئ دوقية توسكانيا الإيطالية في غرة شعبان 1022هـ/أيلول (سبتمبر) 1613م، حيث ظل فيها مدة خمسة أعوام عند أصدقائه من آل مديتشي، وخلفه ابنه الأمير علي في إمارة الشوف بمساعدة عمه الأمير يونس المعني، وبهذا التصرف أنقذ فخر الدين الإمارة المعنية من الانهيار لتبقى تحت تصرف عائلته(61).

ترتب على فرار فخر الدين إلي إيطاليا أن ولّت الدولة العثمانية على صفد بستانجي حسن باشا، بالإضافة إلى صيدا وبيروت وغزير في جمادى الأول 1023هـ/1614م، كما حاولت الدولة في العام نفسه إجراء تنظيم إداري جديد في ولاية دمشق، فاقتطعت ناحيتي صيدا وبيروت ولواء صفد وشكّلت منهم ولاية جديدة عُرفت باسم "ولاية صيدا"، لكن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح، فصرفت الدولة العثمانية النظر عنها وأعادت الولاية الجديدة إلى ما كانت عليه في السابق من حيث تبعيتها لولاية دمشق(62).

لم يؤدِ اختفاء فخر الدين المؤقت عن الساحة اللبنانية إلي خفت وميض المعنيين السياسي، فقد واصل الأمير علي بن فخر الدين سياسة والده التوسعية لاستعادة ما تم فقدانه، وانتهز فرصة تعيين والٍ جديد على دمشق نشانجي أحمد باشا عام 1027هـ/1617م، فطلب منه سنجقية صفد كما كانت قبل سفر والده إلى أوروبا، فصدر فرماناً سلطانياً بتقرير سنجق صفد وصيدا وبيروت وغزير للأمير علي(63).

ويبدو أن حكّام فلسطين المحليين قد تنفسوا الصعداء خلال فترة الخمس سنوات التي قضاها فخر الدين في أوروبا، فاستراحوا خلالها من الضغوط التي كان يمارسها عليهم، كما أن ابنه الأمير علي كان مشغولاً بترتيب بيته من الداخل. وعلى أية حال، فخلال الفترة التي أمضاها فخر الدين في أوروبا، كان الوضع في الدولة العثمانية قد بدأ يتغيّر لصالحه، فعدوه اللدود نصوح باشا عُزل عن الصدارة العظمى، وأحمد باشا الحافظ والي دمشق ترك منصبه، والدولة نفسها منهمكة في حروبها مع الصفويين، وبوساطة مستشاره والأمير يونس الحرفوش أمير البقاع حصل من الدولة العثمانية على عفو، وعاد إلى لبنان عام 1027هـ/1618م(64).

وتجدر الإشارة إلى أن عودة فخر الدين من أوروبا لم تكن مباشرة إلى أحد المرافئ اللبنانية كصيدا أو بيروت، وإنما رست السفينة التي أقلته في مرفأ عكا(65) الفلسطيني، وقد يحتار المرء لهكذا تصرف من جانب فخر الدين، فيقيناً هو يعلم مسبقاً بأن بيروت وصيدا تخضعان لنفوذ ابنه "علي"، وبالتالي فبإمكانه النزول في إحدى هاتين المدينتين، ويرى الباحث أن اختيار فخر الدين لعكا لتكون أول بقعة تطأها قدمه بعد عودته من منفاه الاختياري، لها رمزية خاصة لديه، تبيّن أهمية فلسطين في مشروعه التوسعي سواء كان قبل مغادرته إلى أوروبا أو في مخطّطاته اللاحقة التي نوى أن يشرع في تنفيذها، هذا من جانب، أما من جانب آخر، فهي توضح بجلاء أن عكا وقتذاك كانت تحت سيطرة ابنه الأمير علي، وفخر الدين يقيناً على علمٍ بذلك مسبقاً.

وللتدليل على صحة ما سبق الإشارة إليه، فقد أوردت بعض المصادر التاريخية، أن فخر الدين لما نزل عكا سأل عمن يحكم في تلك المنطقة، فأخبره مستقبلوه بأن ولده عليّاً هو الحاكم فيها، وأنه يقوم الآن بجولة في قرية أبي سنان الفلسطينية ليجمع المال منها، فأرسل فخر الدين في استدعائه(66).

والحقيقة أنه رغم التأكيد بأن المرفأ الذي نزل فيه فخر الدين هو عكا، لكن من غير المعقول هو تصديق ما أورده كلٌ من الخالدي الصفدي وحيدر الشهابي من عدم معرفة فخر الدين لحاكم عكا وقتذاك، الأمر الذي يدعو للحيرة واللبس، فالمنطق يحتم علينا الجزم بمعرفته المسبقة لهذا الحاكم قبل أن تطأ قدماه منطقة نفوذه لسببين اثنين هما:

يُفترض أن عودة فخر الدين من منفاه الاختياري إلى الشرق قد تمت بتنسيق مسبق مع أعوانه وعلى رأسهم ولده "عليّاً.
لو لم يكن يعلم أن ابنه "عليّاً" هو الحاكم الفعلي لعكا، لِما أقدم على هذا الأمر خشية وقوعه في أيدي أعدائه من زعماء فلسطين المحليين.
وما أورده الخالدي الصفدي وحيدر الشهابي لا يعدو أكثر من مبالغة لإظهار فخر الدين بمظهر الزعيم القوي الذي لا يخشى بأس أعدائه، والعائد لاسترداد ممتلكاته التي افتقدها من قبل.

ومهما يكن من أمر، فقد بدأ فخر الدين إثر عودته من أوروبا بتوطيد سلطته من جديد، فاهتم بتطوير اقتصاديات بلاده، خاصة في مجال الزراعة، واستخدم عائدات الجمارك في بيروت وصيدا لتمويل جيشه(67)، وعمد بعض مناوئيه إلى استرضائه، فأرسلوا له الهدايا كالأمير أحمد بن طراباي، والأمير أحمد بن حمدان بن قانصوه، والأمير أحمد بن الحرفوش، ويوسف باشا سيفا، وقد قبل فخر الدين جميع الهدايا المقدمة له من الأمراء عدا هدية يوسف باشا التي ردّها عليه(68)، تعبيراً عما يكّن في صدره من عداوة له.

ويؤخذ على فخر الدين أنه بدأ العمل بنشاطٍ وهمّةٍ لتحقيق أهدافه القديمة متبعاً الأسلوب القديم الذي كان قد اتبعه من قبل(69)، ففي غرة رجب 1028هـ/1618م عزل العثمانيون الأمير أحمد بن حمدان بن قانصوه عن سنجق عجلون، كما عزلوا الشيخ عمرو عن مشيخة حوران، وولوا مكانهما ابن قلاوون وهو من أصل تركي والشيخ رشيد، واضطر الأميران المعزولين لطلب النجدة من فخر الدين لإعادتهما إلى منصبيهما السابق، فنجح في استصدار فرمان من الباب العالي بهذا الشأن في شوال من العام نفسه(70).

ويبدو أن الأمير أحمد بن طراباي قد شعر في تلك الأثناء بأن موازين القوى آخذة في التغيير لصالح فخر الدين، فبعد نجاح الأخير في مسعاه السابق بإعادة أعوانه إلى مناصبهم، انتهز فرصة وجود فخر الدين في تل الهريج بالقرب من صفد، وأرسل إليه ابنه الأمير طراباي ومعه هدية قبلها فخر الدين، فازدادت بينهما أواصر الأُلفة والمودة(71).

وفي عام 1030هـ/1620م وفي أثناء وجود الأمير فرّوخ أمير الحج الشامي في الآستانة بدعوة من السلطان عثمان الثاني، كلّفه السلطان المذكور ببناء قلعة في الطريق الذي تسلكه قافلة الحج يُسمى "المُعظّم"، ورصد لذلك المشروع خمسين ألف غرش، وانتهز فرّوخ باشا تلك المناسبة والتمس من السلطان تعيين الأمير بشير عم الأمير أحمد بن قانصوه حاكماً على سنجق عجلون لكونه أحد مرافقيه وحلفائه، ليساعده في بناء القلعة، وتعيين الشيخ رشيد لمشيخة حوران، فتم له ذلك.

ومرة أخرى استنجد الأمير أحمد بن قانصوه والشيخ عمرو بالأمير فخر الدين لمساعدتهما على العودة إلي منصبيهما، لكنه هذه المرة كان حازماً في رفضه لطلبهما خشية اتهامه بتعطيل بناء القلعة التي أُوكل لفرّوخ باشا بإنجازها من جهة، وللبرود الذي كان قد اكتنف علاقته بالأمير أحمد والشيخ عمرو بسبب قتل فخر الدين لسلطان كتخدا الأمير أحمد، فاضطرا للتوجه إلى بلاد الأمير أحمد بن طراباي حيث توفى الشيخ عمرو في دياره، ثم توجه ابن قانصوه للآستانة في محاولة لاستعادة سنجقه(72).

وتلاحقت الأحداث فيما بعد بصورة دراماتيكية بين مدٍ وجزر بين القوى المحلية في ادعاء كلاً منها بملكيته للسناجق، فالأمير أحمد بن قانصوه نجح في الحصول على قرارٍ بعودته إلى سنجق عجلون، لكن باشا دمشق لم ينفذه لحلول موعد خروج قافلة الحج الشامي، وخشيته من عزل الأمير بشير والشيخ رشيد في ذلك الوقت حتى لا يعطّلا سير القافلة، وهو الموقف نفسه الذي سلكه فخر الدين معه عندما استنجد به، وكان فخر الدين يحاول قدر الإمكان تعطيل تسلّم الأمير أحمد بن قانصوه لسنجق عجلون طمعاً منه بمنحها لابنه الأمير حسين(73).

توجه الأمير أحمد بن قانصوه إلى ديار الأمير أحمد بن طراباي مرة أخرى طلباً للاستقرار فيها، وخلال إقامته عند ابن طراباي تعرّض لهجومٍ من جانب عمه الأمير بشير، فتضايق ابن طراباي من تلك الفعلة وكتب لفخر الدين ملتمساً منه مساعدة أحمد بن قانصوه في استعادة سنجقه، ويبدو أن فخر الدين قد يئس من وصول فرمان من الآستانة بمنحه سنجقية عجلون لابنه حسين، فخشي من وجود أعداء مجاورين لمناطق نفوذه، وقرّر بالفعل مساعدة أحمد بن قانصوه وجرّد حملة في ذي القعدة 1031هـ/1621م على الأمير بشير، ضمت الأمير قاسم ابن الأمير علي الشهابي، والأمير طراباي ابن الأمير أحمد بن طراباي، فلما سمع الأمير بشير بوصول التحالف المذكور إلى جسر المجامع هرب مع الشيخ رشيد، واستعاد أحمد بن قانصوه سنجقية عجلون الذي قام فيما بعد ـ اعترافاً منه بالجميل ـ بتأجير منطقة الغور الغربي نواحي بيسان للأمير علي بن فخر الدين(74).

أضحت قوة فخر الدين طاغية لدرجة أن والي دمشق في العام التالي التمس منه تقديم إعانة مالية لقافلة الحج والخروج لملاقاتها في طريق عودتها، كما منحه سنجقية عجلون باسم ابنه الأمير حسين بعد أن كان قد قنط تماماً من حصوله عليها. ويبدو أن الأمير أحمد بن قانصوه قد قبِل هذا الأمر مُكرهاً، وفي ذلك يقول الخالدي الصفدي: "وكان جواب الأمير أحمد السمع والطاعة لله ولرسوله ولولي أمره، ولكن كأنما في قلبه الجمر. وقال: أنا أولاً وآخراً منك وإليك وبسنجق وغير سنجق محسوب عليك". ثم غادر عجلون وتوجه بـأهله إلى بلاد حوران في ضيافة الشيخ حسين بن عمرو(75).

ولما كان الأمير فرّوخ حاكم نابلس قد تُوفي في مكة أثناء قيادته لقافلة الحج الشامي في 1030هـ/1621م، أصدر الصدر الأعظم "مرّه حسين" أحكاماً بتعيين محمد بن فرّوخ محل أبيه، لكن مصطفى باشا والي الشام رفض التصديق على تلك الأحكام، ما دعا ابن فرّوخ للتوجه للآستانة للمطالبة بحقه بسنجقية نابلس حتى تمكن من الحصول عليها، لكنه لم يهنأ طويلاً بمنصبه الجديد، فسرعان ما سيحصل الأمير حسين بن فخر الدين على فرمانٍ بتوليه سنجقي نابلس وعجلون. ومرة أخرى توجه ابن فرّوخ للآستانة وحصل من الصدر الأعظم على قرارٍ بتوليه إمارة الحج وتقرير سنجق نابلس عليه، كما تم منح سنجق عجلون للأمير بشير بن قانصوه، وصفد لبوستانجي باشا رغم محاولات فخر الدين الحثيثة للحصول على حكم هذه السناجق(76).

استمر فخر الدين في مناصرة أعوانه في فلسطين وشرقي نهر الأردن، خاصة وأن الخلافات قد عادت إلى السطح بين الأمير أحمد بن طراباي وفخر الدين عام 1032هـ/1622م عندما ساند الأول الأمير يونس الحرفوش في صراعه ضد فخر الدين، وعندما شعر ابن طراباي بأطماع فخر الدين التوسعيّة، رغم محاولات ابن طراباي الإصلاحية بين الشيخ عاصي أحد مشايخ نابلس ومصطفى كتخدا أحد أعوان فخر الدين، ونجاحه في إيقاف الاقتتال بينهما، كما مدّ ابن طراباي حكمه على بلاد عجلون واربد ونابلس وأعطى الحكم فيها لمشايخ موالين له في المناطق المجاورة، فاضطر فخر الدين لمهاجمة الأراضي الخاضعة لحكم أحمد بن طراباي واستولى على برج حيفا، وأمر بإحراق قرى الكرمل، وإزاء هذا الاجتياح المدمّر رحل ابن طراباي والأمير بشير بن قانصوه باتجاه نهر العوجا على حدود غزّة(77).

حاول فخر الدين التوغّل جنوباً للحاق بابن طراباي، وتمكن من إحراز نصراً مؤقتاً، إلى أن دارت رحى معركة عنيفة اشترك فيها عرب المفارجة إلى جانب فخر الدين، وعرب السوالمة إلى جانب ابن طراباي، حقق الأخير فيها نصراً مدوّياً، واسترجع وحلفاؤه ما سبق أن فقدوه، بل ولاحقوا فلول جيش فخر الدين، وألحقوا به الكثير من الإصابات رغم محاولات المؤرخ الخالدي الصفدي التقليل من شأن هذا الانتصار بقوله: "وصارت هزيمة من جانب الحق سبحانه وتعالى، وليس هذا ما يعيب الأمير فخر الدين لأن الحرب سجال تارة وتارة والرجال في الحرب لم تزل غدارة…"(78).

وفي الوقت الذي كانت فيه ممتلكات فخر الدين في لبنان مهددة من جانب يوسف باشا سيفا والأمير يونس الحرفوش اللذان بدأا بمهاجمتها مستغلين فرصة عدم وجود فخر الدين فيها، قرر الأخير العودة لمواجهة الموقف الجديد، وفي أثناء ذلك أغار الأمير علي بن طراباي شقيق الأمير أحمد، على ساحل عكا، وفي طريق عودته إلى بلاده مرّ بحيفا واصطدم بأحد أعوان فخر الدين، نصوح بلوكباشي وسكمانيته، فقتله ولجأ أعوانه الباقون إلى برج حيفا ثم فرّوا بحراً إلى عكا، كما تلاحقت اغارات أحمد بن طراباي ضد أتباع فخر الدين، خاصة في قرية كفر كنّا(79).

تلاحقت الأحداث وبدأت الأمور تتجه نحو أزمة جديدة، فالعداوات القديمة بين فخر الدين والأمير يونس الحرفوش زعيم البقاع اندلعت من جديد، وكان الأمير يونس في وضعٍ سيئ، وتمكن فخر الدين من الاستيلاء على بلدة قب الياس الاستراتيجية التي من خلالها بسط تحكمه على الطريق الرئيسي المهم الذي يربط دمشق ببيروت، علماً بأن الأمير يونس هذا كان حليفاً لفخر الدين من قبل وساعده في العودة إلى لبنان بعد توسطه لدى الباب العالي، ولكنها السياسة بكل تقلباتها.

أدى ازدياد قوة فخر الدين إلى تنبيه مصطفى باشا والي دمشق الذي عمل على التحالف مع الأمير يونس الحرفوش ويوسف باشا سيفا للإطاحة بغريمهم، ومهما يكن من أمر، فقد نجح فخر الدين في بادئ الأمر عن طريق إغداق الرشاوى الباهظة على حاشية الباب العالي في الآستانة، في الحيلــول دون تدخّل الحكومة المركزية، كما تمكن كذلك من تثبيت امتلاكه لصفد ونابلس وعجلون(80).

غير أن سياسة الباب العالي المعتدلة تجاه فخر الدين لم تستمر طويلاً لصالحه فقد أعاد الأخير صلاته بحكومة توسكانيا وسمح لتجارها بالنزول في موانيه، وأعاد جيش السكّبان الذي بلغ مائة ألف من شعوبٍ شتى، عندئذ منح الباب العالي الإذن لوالي دمشق وحلفائه بمهاجمة فخر الدين لتحجيم دوره، وفي هذا السياق دارت معركة شهيرة في تاريخ لبنان الحديث، هي موقعة عنجر عام 1033هـ/1623م هُزم خلالها مصطفى باشا وتم أسره، أما حلفاؤه فقد دُحروا وتشتت فلولهم تماماً، ثم أُطلق سراح الباشا ـ بوساطة وفدٍ من علماء دمشق ـ الذي اضطر فيما بعد للاعتراف بسلطة فخر الدين وممتلكاته، وبذلك بلغ نفوذه الذروة(81).

كانت موقعة عنجر علامة فارقة في تاريخ فخر الدين الثاني، فآل سيفا قبِلوا أخيراً الخضوع المطلق لسلطته وتقديم المال إليه بعد استيلائه على عكار وهدم قلعتها، ومدّ نفوذه شمالاً حتى حدود إنطاكية(82)، أما الوضع في فلسطين فكان مختلفاً تماماً، فالأمراء المحليون فيها رفضوا الانصياع والرضوخ لسلطته، فهاجم أحمد بن طراباي في العام نفسه أعوان فخر الدين الذين يتولون السناجق الفلسطينية وشرقي نهر الأردن وحوران، واستولى على ممتلكات الأمير أحمد بن قانصوه حاكم عجلون والشيخ حسين بن عمرو حاكم حوران ومنح سناجقهما للأمير بشير عم أحمد بن قانصوه والشيخ رشيد، غير أن فخر الدين لم يُسلّم للأمر الواقع بل ساعد أعوانه في استرداد أملاكهم فيما بعد(83).

وتمكن فخر الدين من الحصول على قلعة الصلت (السلط) وعيّن فيها نائباً عنه، كما استولى على نابلس وعزل محمد بن فرّوخ عنها، وبلغ الأمر بفخر الدين مداه بعدما حصل لابنه الأمير منصور على سنجق اللجون بما فيه مدينة جنين مركز آل طراباي الرئيسي، الأمر الذي لم يتقبله الأمير أحمد بن طراباي فكانت ردة فعله أن شكّل تحالفاً من عرب السوالمة وخيالة نابلس وبلاد عجلون والغور بقيادة محمد بن فرّوخ وعرب غزّة الخاضعين لسلطة حسن باشا رضوان حاكم غزّة، لمهاجمة حلفاء فخر الدين من عرب المفارجة، كما هاجم سواحل عكا وأعمل فيها النهب والتخريب، واستمرت المعارك بين الطرفين سجالاً، وأثبتت القبائل العربية بإمرة ابن طراباي ومؤيديه صلابة في المقاومة تجاه فخر الدين وقواته من السكمانية المرتزقة، خاصة في الموقعة التي دارت عند نهر العوجا قرب يافا عام 1033هـ/1623م، التي انتصر فيها ابن طراباي واسترجع مدينة جنين، وألحق الكثير من الخسائر في جيش خصمه، وقد أشار المؤرخ المحبي لهذه الموقعة بقوله:"أشهر وقعاته (أي أحمد بن طراباي) وقعة يافا، ومعه حسن باشا (رضوان) حاكم غزة، والأمير محمد بن فرّوخ أمير نابلس، فقتل من جماعة معن مقتلة عظيمة"(84).

وتوالت هجمات أحمد بن طراباي على ممتلكات الأمير فخر الدين وتخريبها، واستولى على قرية أبي سنان التابعة لسنجق عكا، وحقق عدة انتصارات أذهلت فخر الدين وولده الأمير علي، ولما كانت تكاليف القتال باهظة على الطرفين المتحاربين فقررا التعايش وفتح صفحة جديدة من الوفاق السلمي أو ما يُصطلح على تسميته في التاريخ المعاصر بالحرب الباردة، وقامت بين الطرفين مفاوضات أسفرت عن صلحٍ في شوال من العام نفسه، من أهم شروطه أن تنسحب قوات فخر الدين من حيفا وبرجها بعد هدمه، وأن يمنع ابن طراباي عربانه عن تخريب بلاد صفد التابعة لفخر الدين، كما يتعهد أيضاً بتأمين الطريق بين بلاد صفد وبلاد حارثة، وتخلّى فخر الدين عن جبل نابلس لابن طراباي، واعترف بامتداد حدود سلطته إلى حيفا، وبذلك لم يعُد أي من الطرفين يتعرض للطرف الآخر(85).

ويبدو أن المتاعب التي واجهت فخر الدين في فلسطين وشرقها قد ازدادت فيما بعد، ففي العام نفسه تعرضت قلعتي الصلت وعجلون لخطر داهم من جانب الأمير بشير بن قانصوه بعدما فرض عليهما حصاراً خانقاً، دعا القائمين على أمرها لتسليمهما له، ولما كان الأمير بشير يدرك أن فخر الدين لن يدعه يهنأ بما حصل عليه من مكاسب أرسل في طلب الصلح معه، وبعد المباحثات التي تمت بين الطرفين، اتفقا على أن يكون الأمير بشير حاكماً على سنجق عجلون نائباً عن الأمير حسين بن فخر الدين(86).

وبحلول عام 1034هـ/1624م استتب الأمر لفخر الدين في فلسطين وما جاورها بعد تيقنه من استمرار أواصر المودة وعلاقته الحسنة بالأمير أحمد بن طراباي، وبشير بن قانصوه، واحتفاظ ابنه الأمير علي بسنجق صفد الاستراتيجي، ووفاة منافسه التقليدي يوسف باشا سيفا(87)، هذا الأمر جعل العثمانيين في موقفٍ صعب لا قِبل لهم بمواجهته بسبب انشغالهم آنذاك بمحاربة الصفويين، لذلك اضطر السلطان مراد الرابع للاعتراف بسلطة فخر الدين ومنحه فرماناً ولاه بموجبه على بلاد عربستان(88) من حدود حلب إلى القدس، كما منحه لقب سلطان البرـ الذي حمله جدّه فخر الدين الأول من قبل ـ شريطة أن يقوم بتقديم مال الميري لخزينة الدولة، وأن يحافظ على الأمن في منطقته، هذا الفرمان المهم حصل عليه فخر الدين مقابل ما دفعه من ثمنٍ غالِ ومرتفع(89).

استمرت سياسة الوفاق بين فخر الدين وأحمد بن طراباي حوالي عشرة سنوات، لكن التوتر عاد بينهما عام 1043هـ/1633م عندما حرّض الأمير علي بن فخر الدين عرب الوحيدات ضد آل طراباي، ويبدو أن فخر الدين كان على دراية بما قام به ولده، فرّد آل طراباي بمساعدة الأمير محمد بن فرّوخ بمهاجمة بلاد صفد التابعة للأمير علي ونهبها، وكان والي دمشق أحمد باشا كوجك قد لعب دوراً مشبوهاً في تأجيج التوتر بين القوى المحلية من جديد، مما أدى إلى مقتل الأمير علي بن فخر الدين(90)، والظاهر أن المهمة التي قام بها والي دمشق جاءت كرد فعل من جانب الباب العالي لعدم سماح فخر الدين لفرقة عسكرية عثمانية كانت متجهة لحرب الصفويين عام 1041هـ/1631م من قضاء فصل الشتاء في دياره، بل وصل الأمر لحد طرده لهذه الفرقة بقوة السلاح(91).

شعر فخر الدين أن ساعة الحسم بينه وبين السلطات العثمانية قد حانت، فبدأ بتعزيز دفاعاته، فبنى حصناً في المنطقة الواقعة بين حلب وإنطاكية، وحُصناً اُخر في قب الياس في البقاع، وبانياس في الجنوب، وتدمر ما زال يُعرف باسمه، وإذا كان السلطان مراد الرابع قد اضطر في بداية عهده لمنح فخر الدين سلطات واسعة في بلاد الشام، لِصغر سنه؛ لكنه عمد فيما بعد إلى إحكام سيطرة الدولة وإبراز هيبتها بعدما بدت عليها بعض الإشارات التي تنمُّ عن تجديد حيويتها، وبعدما خشي من الترتيبات الدفاعية التي قام بها فخر الدين، واستمرار اتصالاته مع الأوروبيين. تلك الأمور مجتمعة دعت السلطان مراد الرابع إلى توجيه أمرٍ لأحمد باشا كوجك عام 1043هـ/1633م بالتوجه لقتال فخر الدين على رأس جيشٍ كبير من جنود الأناضول ومصر، كما أرسل أسطولاً بحرياً لمهاجمة المرافئ والحصون الساحلية، مما أدى لهزيمة فخر الدين واختبائه في قلعة نيحا بضعة أشهر ثم انتقاله إلى كهفٍ حصين قرب جزّين، حتى تمكن العثمانيون أخيراً من إلقاء القبض عليه وإرساله إلى الآستانة أسيراً، ثم إعدامه فيها في 13 نيسان (أبريل) 1635م/1045هـ(92).

أدّى القضاء على فخر الدين وحركته الانفصالية الطموحة لإقامة كيان مستقل عن الدولة العثمانية إلى حدوث فوضى شاملة في لبنان وفلسطين؛ ففي لبنان تجددت العداوات القديمة بين الأُسر الإقطاعية التي كانت تخضع لسلطة المعنيين(93)، كما عمد العثمانيون إلى فصل صيدا عن دمشق، وجعلوا منها ولاية مستقلة عام 1071هـ/1660م لمراقبة شؤون لبنان، وتم فصل بيروت كذلك وألحقوها بدمشق، ولم يظهر في البيت المعني شخصية قوية من طراز فخر الدين الثاني تواصل سياسته(94)، أما في فلسطين، فقد كان فخر الدين قد أضعف في أثناء فترة حكمه بطريقٍ مباشر أو غير مباشر، الأمراءَ المحليين فيها، وبعد مقتله كانت بعض هذه الأُسر الحاكمة قد تلاشت على يديه، بينما بعضها الآخر كان في طريقه للانحلال بفعل تأثيره(95).

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأُسر الحاكمة في فلسطين تصرّفت طوال فترة حكم فخر الدين تصرف الندّ له، خاصة الأمير أحمد بن طراباي الذي كانت ممتلكاته مجاورة لمناطق نفوذ فخر الدين من ناحية، ولأنه هو الآخر كانت له مطامحه في السيادة على الجزء الشمالي من فلسطين كله؛ فكان بذلك شوكة في خاصرة فخر الدين ومنافساً له(96).

وبمقتل فخر الدين الثاني انتبهت الدولة العثمانية لجنوب الشام ولطريق الحج التي تعطّلت بسببه، فأرسلت حملة بقيادة عبد الله باشا النمر أحد قادة منطقة نابلس، حيث تمكن هو وأولاده وأحفاده فيما بعد من إقامة إمارة مستقرة، موالية للحكم العثماني(97).

وفي هذا المضمار تجدر الإشارة أيضاً إلى عدة عوامل دفعت الأمراء المحليين في فلسطين من سيطرة فخر الدين عليهم، منها:

إحساسهم العميق بأنه ينافسهم على السيادة أو الزعامة القبلية، ويريد أن يفرض سيادة قبيلته عليهم، في الوقت الذي كانوا يشعرون فيه أنهم ليسوا أقل منه كفاءة ولا أضعف منه عصبية قبلية.
أنهم كانوا يدركون حقيقة أطماعه ونواياه التوسعية تجاه سناجقهم من ضم وسيطرة.
أن ولاة دمشق المتعاقبين لم يرغبوا في الاستسلام لرغبات فخر الدين وأطماعه في ولايتهم بسهولة، وقد دفعهم هذا الموقف للتنسيق مع حكّام الألوية الخاضعة لنفوذهم، للقيام بعمل عسكري بهدف الحد من نفوذه وتغيير الوضع السياسي الذي فرضه عليهم(98).
بقي أن نشير إلى الوجه الحضاري الذي خلفه فخر الدين في فلسطين، على قلته، فقد اهتم بتشجيع التجارة مع أوروبا، ولهذا الغرض ابتنى في عكا حصناً وخاناً لإقامة التجار الأجانب بعد أن اتخذ عدداً من التجار الفرنسيين والإنكليز والهولنديين من عكا مركزاً لتجارة القطن. فقد أشار حيدر الشهابي في حوادث سنة 1032هـ/1622م إلى وصول مركبين تجاريين فرنسيين إلي عكا لشحن القطن(99)، كما كانت فرنسا تستورد في السنوات التي بها جفاف كميات كبيرة من القمح والأرز من عكا وحيفا، حيث شوهدت في ميناء عكا 32 مركباً حمولة أصغرها 150 طناً، وحمولة أكبرها 600 طن، قدمت لشحن القمح(100)، كما سمح فخر الدين لمجموعة من التجار الفرنسيين باستيطان عكا في الفترة ما بين 1034ـ1043هـ/1624ـ1633م(101).

وفي صفد شيّد فخر الدين مغارة الحمام سنة 1022هـ/1613م، وسُميت قلعة ابن معن، كما أنجز سور تل الهريج بالقرب من صفد(102)، أما يافا فلم تشهد في عهد فخر الدين سِوى أثراً عمرانياً وحيداً هو القلعة وعمل على ترميم أسوارها(103).

وتحسنت أحوال المسيحيين في الناصرة زمن فخر الدين نتيجة لسياسة التسامح الديني التي انتهجها؛ ففي عام 1030هـ/1620م سمح للرهبان الفرنسيسكان بترميم كنيستها القديمة المعروفة بالسانتا، وبناء ديرٍ بالقرب منها؛ ولكن في عام 1040هـ/1630م قبيل القضاء على فخر الدين، بدأت أحوال المسيحيين في الناصرة بالتدهور نتيجة لاستيلاء آل طراباي على جزءٍ كبير من الجليل، حيث شرعوا في مضايقة الرهبان نكاية بفخر الدين(104).

خاتمة الدراسة

نستطيع القول، أن طموح فخر الدين المعني الثاني لإقامة إمارة إقليمية يكون هو زعيمها، لم تكن وليدة الصدفة أو نتاج التراكمات السياسية التي جعلت من بلاد الشام عامة ولبنان وفلسطين خاصة مرتعاً للكثير من الحكّام المحليين الذين كان كلٌ منهم يحكم منطقة بعينها، لكن هذا الطموح كان بالدرجة الأولى يعود لخططٍ طموحة من جانب أسلافه، كجده فخر الدين المعني الأول ثم والده قرقماز، ورغم أن أسلافه فشلوا مبكراً في تحقيق أي من أهدافهم، إلا أن فخر الدين الثاني تمكن من تحقيق كل النجاح في لبنان، وقضى على منافسيه الأقوياء، وحقق بعض النجاحات المؤقتة في فلسطين، لكنه لم يستطع فرض كامل سلطته عليها.

والسبب المباشر والرئيسي لاهتمام فخر الدين الثاني بالتوسع في فلسطين لا يعود في المقام الأول لدوافع طائفية كما ذكر البعض، وإنما لأسباب حزبية بحتة، ولا سيما الصراع بين الحزبين الرئيسيين في بلاد الشام، القيسي واليمني، حيث اشتعلت أوار الحروب والمنازعات بين هذين الحزبين من أجل سيادة النظام القبلي، خاصة في لبنان وفلسطين.

وأثبتت الدراسة أن تدخل فخر الدين الثاني في شؤون فلسطين العثمانية، كان لأهدافٍ شخصيةٍ بحتة لا لمصلحة قومية عليا كقمع ثائر متمرد على السلطة المركزية على سبيل المثال، فجلّ حكّام فلسطين المحليين كانوا من الموالين للسلطات العثمانية سواء في دمشق أو في الآستانة نفسها، وكان هدف فخر الدين هو منح السناجق الفلسطينية سواء في شرقي نهر الأردن أو في غربه إما لأبنائه أو لأعوانه الموالين له.

وشخصية فخر الدين الثاني لم تكن تصرفاتها تنم عن اتجاه مغامر كما يحلو للبعض وصفه بذلك، ولكنها تصرفات رجل طموح شابت أفعاله الكثير من الأطماع لبناء مجدٍ ذاتي يخلده في المدونات التاريخية، ورجل بمثل تلك المواصفات يصعب عليه المقامرة بمستقبله ومشروعه السياسي التوسعي في خضم مغامرة قد تنجح وغالباً ما ستفشل، وما يحُسب لفخر الدين أنه كان متأنياً في اتخاذ القرارات فحقق الكثير من النجاحات.

كما أثبتت الدراسة أن عودة فخر الدين من أوروبا ـ منفاه الاختياري ـ واختياره لمرفأ عكا لتكون أول بقعة في الشرق تطأه قدماه، لها رمزية خاصة لديه، تبيّن أهمية فلسطين في مشروعه التوسعي سواء كان قبل مغادرته إلى أوروبا أو في مخططاته اللاحقة التي نوى الشروع في تنفيذها.

ومما يجدر ذكره أن موقعة عنجر عام 1033هـ/1623م كانت علامة فارقة في تاريخ فخر الدين، فحكّام لبنان المحليون والموالون للسلطات العثمانية خضعوا بعدها لنفوذه، وازدادت محاولاته للحصول على أكبر قدر ممكن من الكاسب في السناجق الفلسطينية، وأكثر من ذلك اضطرت الدولة العثمانية للاعتراف بسلطته بعد أربعة وثلاثين عاماً من صراعه الطويل مع ممثليها، ومنحته فرماناً يكون بموجبه حاكماً على بلاد عربستان من حدود حلب إلى القدس، كما منحته لقب سلطان البر وهو اللقب نفسه الذي منحته من قبل لجده فخر الدين الأول.

ولم تسِرْ العلاقة بين فخر الدين والزعامات المحلية الفلسطينية على وتيرة واحدة، فهي دوماً صدامية بين الطرفين تتجاذبها حالتي المد والجزر؛ وان كانت هذه الزعامات قد حققت الكثير من الانتصارات على فخر الدين، أما بعض المكاسب التي حققها الأخير في فلسطين؛ فإنما تعود لسياسته الحكيمة في بعض الأحيان لا لقوته العسكرية وذلك من خلال وكلائه في الآستانة حيث أغدق عليهم الأموال الطائلة ليسهّلوا له مهمة شراء المناصب وتعيينه على بعض السناجق في فلسطين وشرقي نهر الأردن، وأحياناً قليلة كانت سياسة الوفاق ترجح بين فخر الدين من ناحية والأمير أحمد بن طراباي حاكم اللجون من ناحية أخرى، لكنها فشلت في النهاية لعدم وجود دعائم ترسّخها، وأُخذ على فخر الدين أنه فشل في الاحتفاظ بفلسطين بسبب عدم محاولته رأب الصدع بين الحزبين المتنافسين وقتذاك، وكان هو شخصياً زعيماً لإحداهما ولم ينجح في التقريب بين وجهات نظرهما، وبالتالي فشل في أن يطوي زعماء فلسطين بين جناحيه


إذا كنت مؤلف هذه  قصه وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى وادي الحوارث
 

شارك بتعليقك