لم تكن خربة العطعوط قرية رسمية مستقلة، بل كانت "عزبة" أو ضيعة ريفية زراعية تتبع إدارياً ل مدينة طولكرم مباشرة طوال فترات الحكم العثماني والانتداب البريطاني. وقد شكلت هذه العزبة جزءاً من المجال الحياطي والامتداد الاقتصادي لمركز القضاء (طولكرم).
تتميز العزبة بموقعها الاستراتيجي فوق تلة صغيرة تشرف على السهل الساحلي الأوسط، وتكشف الخرائط التاريخية حدودها وجيرانها بدقة:
- الطريق الرئيسي: تقع العزبة مباشرة على خط القوافل والتجارة التاريخي (والطريق الرئيسي لاحقاً) الواصل بين مدينة طولكرم والساحل.
- الموقع من القرى والبلدات المحيطة: تتربع الخربة جنوب غربي قرية قاقون التاريخية (الظاهرة في أعلى الخارطة باللون الأحمر)، وشمال شرقي بيارات حنون، وتتمركز شرقي خربة بيت ليد وقرية أم خالد الساحلية (مدينة نتانيا اليوم الواقعة في أقصى يسار الخارطة)، بينما تقع الخربة تحديداً في الجهة الشمالية الغربية من بلدة قلنسوة (الظاهرة أسفل اليسار في الخارطة).
سبب التسمية: بين الحصن والتملّك
يعود سبب تسمية الموقع بـ "البرج" إلى وجود برج أثري عسكري قديم فيه يعود للعصور الوسطى. أما إضافة اسم "العطعوط"، فترجع إلى عائلة العطعوط (وهي عائلة عريقة من أصول كرمية امتدت في قضاء طولكرم ونابلس)، والتي تملكت أراضي واسعة في هذه المنطقة في أواخر العهد العثماني، فارتبط اسم الضيعة بها في السجلات الرسمية واللسان المحلي. القلعة الصليبية ومصيرها التاريخي تؤكد الدراسات الأثرية أن الموقع كان يضم قلعة صليبية محصنة عُرفت باسم "البرج الأحمر" (بسبب لون حجارتها المائلة للحمرة أو طبيعة تربة المنطقة). كانت هذه القلعة تؤمن طرق القوافل بين الساحل والداخل. ومع دحر الصليبيين من المنطقة على يد المماليك، تَعرّضت القلعة للتدمير والهدم الممنهج؛ وهي سياسة عسكرية اعتمدها المماليك آنذاك بتدمير الحصون الساحلية كلياً خوفاً من عودة الصليبيين واستغلالهم لهذه القلاع في حملات بحرية جديدة. وتحولت القلعة مع الزمن إلى أنقاض وأساسات بُنيت فوقها ومنها منازل العزبة لاحقاً.
الملكية، الزراعة، ومأساة تسريب الأرض للصهاينة
اشتهرت أراضي خربة العطعوط بخصوبة تربتها ووفرة مياهها نتيجة قربها من أودية وسهول طولكرم الساحلية، وتحولت المنطقة إلى سلة غذائية غنية باكتفائها الزراعي.
- بماذا اشتهروا؟
تميزت المنطقة تاريخياً بزراعة الحبوب، ثم تطورت في بدايات القرن العشرين لتصبح مشهورة جداً بـ بيارات الحمضيات (البرتقال) التي غطت مساحات شاسعة من السهل الغربي. - من امتلك الأرض ومن باعها؟
تداخلت ملكية أراضي العزبة بين فلاحين محليين وعائلات أعيان كبار؛ حيث تذكر المصادر التاريخية أن عقارات وأراضي واسعة في هذه المنطقة تملكتها عائلة النابلسي (وتحديداً الحاج نمر النابلسي وعائلته)، إلى جانب أجزاء تابعة لعائلات كرمية ونابلسية أخرى كـ آل العطعوط، وآل بوشناق، وآل الشنتي. وفي أواخر العشرينيات، وتحديداً عام 1928، جرت صفقات تسريب معقدة عبر سماسرة وشركات استيطانية، تم من خلالها بيع أجزاء من هذه الأراضي والبيارات لصالح "صندوق جان (يونا) فيشر الصهيوني البلجيكي"، وليس لصالح عائلة الروثشايلد أو الوكالة اليهودية مباشرة. وقد مّهدت هذه الصفقة التمويلية ذات الطابع السياسي القومي لإقامة مستعمرة "كفار يونا" عام 1932 على تلك الأراضي المزروعة، وتسميتها بهذا الاسم تخليداً لذكرى رئيس الحركة الصهيونية في بلجيكا جان فيشر.
العقارات وما تبقى منها اليوم
عقب نكبة عام 1948، نهبت السلطات الإسرائيلية يدها على ما تبقى من أراضٍ وبيارات تحت بند "قانون أملاك الغائبين". واليوم، ابتلعت مستعمرة "كفار يونا" أراضي العزبة بالكامل. ومع ذلك، ما زال قائماً حتى اليوم قصر أثري كبير مبني من الحجر فوق التلة يعود لعائلة النابلسي (بناه الحاج نمر النابلسي لابنه قبل النكبة)، وتحيط به بقايا من أشجار البيارات القديمة، ويستخدمه المستوطنون اليوم كمعلم تاريخي داخل المستعمرة، إلى جانب أساسات حجرية مبعثرة تشير إلى موقع برج العطعوط القديم.
التمييز بينها وبين "شقيقتها" في حيفا
من الضروري رفع اللبس التاريخي والجغرافي بين هذا الموقع وموقع آخر يشبهه؛ حيث تختلف خربة العطعوط (برج طولكرم) تماماً عن خربة البرج الواقعة في قضاء حيفا. خربة البرج الحيفاوية تقع إلى الشمال أكثر (قرب قيسارية وبنيامينا) وارتبطت تاريخياً بأراضي عرب النفيعات، ورغم أن كلا الموقعين يضمان قلاعاً صليبية متشابهة وتسميات متطابقة في السجلات، إلا أن "عزبة العطعوط" هي حصراً التي تقع على خط طولكرم-نتانيا والمجاورة لقاقون وأم خالد.
ظل خربة العطعوط، برغم غيابها عن الخارطة الإدارية الحالية، شاهداً حياً على حكاية الأرض الفلسطينية التي سُلبت بياراتها وبقيت حجارة قصورها وأبراجها تقاوم النسيان.
فديوهات التعريفية
فديو رائع من صفحة بلدي - تاريخ وتراث
وهنا نشاهد البرافيسور مصطفى كبها بالقرب من البرج الشهير
وهنا المزيد من أبا خالد
وهنا قصر النابلسي





شارك بتعليقك