| PalestineRemembered | About Us | Oral History | العربية | |
| Pictures | Zionist FAQs | Haavara | Maps | |
| Search |
| Camps |
| Districts |
| Acre |
| Baysan |
| Beersheba |
| Bethlehem |
| Gaza |
| Haifa |
| Hebron |
| Jaffa |
| Jericho |
| Jerusalem |
| Jinin |
| Nablus |
| Nazareth |
| Ramallah |
| al-Ramla |
| Safad |
| Tiberias |
| Tulkarm |
| Donate |
| Contact |
| Profile |
| Videos |
Post Your Comment
*It should be NOTED that your email address won't be shared, and all communications between members will be routed via the website's mail server.
تُعدّ هذه الوثيقة نموذجاً دالًا على طبيعة الإدارة الصحية والخدمات الاجتماعية في القرى الفلسطينية خلال فترة الانتداب البريطاني، كما تعكس في الوقت ذاته أوضاع العمل الهشّة، ولا سيما عمل النساء في القطاعات الخدمية ذات الصلة بالصحة ورعاية الطفولة. فالرسالة موجّهة إلى طبيب الصحة في الخليل، وهو ما يدل على وجود تسلسل إداري هرمي كانت تتبع له القرى، حيث تُرفع الطلبات المحلية إلى مراكز صحية إقليمية تشرف على شؤون القرى.
تكشف الوثيقة عن قيام السيدة مريم العبد سلمان، وهي من قرية عجّور، بمهمة تزويد رعاية الأطفال بالمياه، وهي خدمة أساسية ترتبط مباشرة بالصحة العامة، خاصة في ظل محدودية البنية التحتية للمياه في القرى الفلسطينية آنذاك. ويُلاحظ أن هذه المهمة لم تكن مؤسسية بالكامل، بل اعتمدت على تعهّد فردي مقابل أجر شهري متواضع، ما يعكس الطابع شبه التقليدي لتقديم الخدمات العامة في الريف الفلسطيني.
تقدّم صاحبة الطلب سرداً تفصيلياً للتحوّلات التي طرأت على ظروف عملها؛ إذ تشير إلى أن تزويد المياه كان يتم سابقًا من خزان قريب لا يبعد أكثر من مئة متر عن مقر رعاية الأطفال، غير أن تعطل المحرّك (الماتور) منذ نحو خمسة أشهر أدّى إلى انهيار هذا الترتيب، واضطرارها لجلب المياه من بئر يبعد قرابة كيلومتر كامل. هذا التحول يعكس هشاشة البنية التحتية التقنية، واعتمادها على أدوات بسيطة يسهل تعطّلها دون قدرة سريعة على الإصلاح.
كما تُبرز الوثيقة العبء الجسدي والاقتصادي الذي تحمّلته المتعهدة، حيث أصبح نقل المياه يتطلب دلواً وحبلًا، وهي أدوات لا يتناسب ثمنها مع الأجر الذي تتقاضاه. وهنا تتجلّى بوضوح ملامح الظلم الاجتماعي، إذ لا يغطي الأجر (800 مل شهرياً) الحد الأدنى من متطلبات العمل، فضلًا عن كونه لا يعكس زيادة الجهد والمسافة. وتكشف هذه المعطيات عن ضعف الحماية الاقتصادية للعاملين في الخدمات العامة، وغياب آليات تلقائية لتعديل الأجور تبعاً لتغيّر ظروف العمل.
من الناحية الإدارية، تكتسب الوثيقة أهمية إضافية من خلال الملاحظة الختامية التي تفيد بتحويل الرسالة إلى جهة أخرى، مع تدوين عبارة تفيد بصحة ما ورد فيها، والتأكيد على أن الراتب المذكور هو (800 مل شهرياً)، مرفقة بتوقيع طمرجي عيادة الصحة في عجّور. ويشير هذا الإجراء إلى وجود آلية توثيق محلية تهدف إلى التحقق من صحة الادعاءات قبل البتّ في الطلب، كما يعكس دور الطاقم الصحي شبه الطبي (كالطمرجي) في الوساطة بين الأهالي والسلطات الصحية الأعلى.
يرى الباحث أن هذه الوثيقة تتجاوز كونها طلباً إدارياً فردياً، لتشكّل مصدراً تاريخياً غنياً لفهم الحياة اليومية في القرى الفلسطينية، خاصة ما يتعلق بإدارة الصحة العامة، ودور النساء في تقديم الخدمات الأساسية، وحدود العدالة الاجتماعية في منظومة الأجور. كما تكشف الوثيقة عن اعتماد المؤسسات الصحية على حلول فردية مؤقتة بدل الاستثمار في بنية تحتية مستدامة، الأمر الذي يعكس أحد أوجه التهميش البنيوي الذي عانت منه القرى الفلسطينية خلال تلك المرحلة التاريخية.
تقع قرية عجّور في الجزء الجنوبي الغربي من قضاء الخليل، على تخوم السهل الساحلي الفلسطيني، وهو موقع منحها أهمية جغرافية واقتصادية واضحة عبر التاريخ. وقد شكّلت القرية حلقة وصل بين القرى الجبلية في الخليل والقرى السهلية الممتدة نحو غزة ويافا، الأمر الذي انعكس على أنماط حياتها الاقتصادية والاجتماعية.
تعود جذور عجّور إلى عصور تاريخية قديمة، إذ تشير الشواهد الأثرية إلى وجود استيطان بشري فيها منذ العصور الكنعانية والرومانية، حيث عُثر في محيطها على آبار مياه قديمة، ومدافن، وبقايا أبنية حجرية تدل على استمرارية سكنية طويلة. وقد حافظت القرية على طابعها الزراعي التقليدي، فاعتمد أهلها أساساً على زراعة الحبوب (القمح والشعير)، إضافة إلى الزيتون واللوز والتين، مستفيدين من خصوبة الأراضي واتساعها نسبياً.
خلال العهد العثماني، كانت عجّور قرية زراعية مستقرة، خاضعة للنظام الإداري العثماني القائم على الضرائب الزراعية. وورد ذكرها في سجلات الضرائب العثمانية ضمن قرى لواء القدس أو قضاء الخليل، حيث كان سكانها يدفعون الضرائب على المحاصيل الزراعية وتربية المواشي. ويعكس ذلك اندماجها في البنية الاقتصادية للدولة العثمانية، رغم بساطة الحياة السائدة فيها.
في فترة الانتداب البريطاني (1917–1948)، شهدت عجّور نمواً سكانياً وعمرانياً ملحوظاً، وبرزت فيها مؤسسات خدمية أساسية، مثل المدرسة الابتدائية، والمسجد، ومرافق صحية بسيطة، إلى جانب رعاية الأطفال التي تظهر في الوثائق الإدارية، ما يدل على اهتمام نسبي بالصحة العامة، رغم محدودية الإمكانات. كما شارك أبناء القرية في الحياة الوطنية الفلسطينية، ولا سيما في ثورة 1936–1939، حيث كانت القرية، بحكم موقعها، جزءاً من المجال الريفي المقاوم للسياسات البريطانية والهجرة الصهيونية.
شكّلت سنة 1948 نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ قرية عجّور. ففي سياق العمليات العسكرية الصهيونية التي استهدفت القرى الفلسطينية، تعرّضت عجّور للهجوم والاحتلال، ما أدّى إلى تهجير سكانها قسراً وتدمير معظم بيوتها. أُفرغت القرية من أهلها الأصليين، وتحولت إلى قرية مهجّرة، في واحدة من أكثر صور الاقتلاع وضوحاً في التاريخ الفلسطيني الحديث.
بعد النكبة، أُقيمت على أراضي عجّور أو في محيطها مستعمرات إسرائيلية، فيما مُنع أهلها من العودة إليها، في مخالفة صريحة لمبادئ القانون الدولي وقرار الأمم المتحدة رقم 194. وبذلك انقطعت الصلة المكانية المباشرة بين السكان وأرضهم، دون أن تنقطع الذاكرة أو الانتماء.
رغم زوال عجّور ككيان عمراني مأهول، فإنها لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الجمعي لأبنائها وأحفادهم، المنتشرين اليوم في الضفة الغربية، وقطاع غزة، ومخيمات اللجوء، والشتات. وتحوّلت عجّور من مكان جغرافي حيّ إلى رمز للذاكرة الفلسطينية والحق التاريخي.
في العقود الأخيرة، برزت جهود بحثية وشعبية لتوثيق تاريخ القرية، من خلال الروايات الشفوية، والوثائق البريطانية والعثمانية، وكتب القرى المهجّرة، فضلًا عن المبادرات العائلية التي تحافظ على أسماء الحقول، والآبار، والمعالم القديمة. كما أصبحت عجّور جزءاً من الخطاب الوطني الفلسطيني حول حق العودة، بوصفها نموذجاً لقرية فلسطينية أُزيلت مادياً لكنها بقيت حيّة رمزياً.
تمثل قرية عجّور نموذجاً مكثفاً للتجربة الفلسطينية العامة، ازدهار ريفي بسيط قبل النكبة، اقتلاع قسري عام 1948، ثم حضور دائم في الذاكرة والهوية. إن دراسة عجّور، قديماً وحديثاً، لا تُعد مجرد استعادة لتاريخ قرية، بل هي فعل توثيق للمكان الفلسطيني، ومقاومة للنسيان، وتأكيد على أن القرى المدمَّرة لم تُمحَ من التاريخ، مهما غُيِّبت عن الجغرافيا