| PalestineRemembered | About Us | Oral History | العربية | |
| Pictures | Zionist FAQs | Haavara | Maps | |
| Search |
| Camps |
| Districts |
| Acre |
| Baysan |
| Beersheba |
| Bethlehem |
| Gaza |
| Haifa |
| Hebron |
| Jaffa |
| Jericho |
| Jerusalem |
| Jinin |
| Nablus |
| Nazareth |
| Ramallah |
| al-Ramla |
| Safad |
| Tiberias |
| Tulkarm |
| Donate |
| Contact |
| Profile |
| Videos |
Post Your Comment
*It should be NOTED that your email address won't be shared, and all communications between members will be routed via the website's mail server.
تُعدّ وثيقة عقد الزواج رقم (20309) الصادرة في قضاء طولكرم سنة 1933م نموذجاً غنياً لدراسة البنية القانونية والاجتماعية للزواج في المجتمع الفلسطيني إبّان فترة الانتداب البريطاني. فهي لا تكتفي بتوثيق العلاقة الزوجية من الناحية الشرعية، بل تعكس منظومة متكاملة من الضبط الإداري، والأعراف الاجتماعية، والتنظيم القضائي الذي كان سائدًا آنذاك.
أولًا، من حيث الإطار الإداري والقانوني، تُظهر الوثيقة درجة عالية من التنظيم الرسمي؛ إذ تشير بوضوح إلى أنها "القسيمة التي تُرسل إلى الحكومة"، مع تحديد الجلد والعدد والرقم والقضاء، ما يدل على خضوع عقود الزواج لنظام تسجيل حكومي منتظم. كما أن تحديد أجرة المأذون (25 قرشاً في محله و50 قرشاً خارجه) يعكس وجود تعرفة رسمية للخدمات الشرعية، وهو ما يدل على مأسسة وظيفة المأذون وربطها بإطار إداري مضبوط، بعيدًا عن العشوائية أو الاجتهاد الفردي.
أما التأريخ الزمني والمكاني للعقد، فقد جاء دقيقاً، جامعاً بين التاريخين الهجري والميلادي، وهو أمر شائع في الوثائق الشرعية خلال فترة الانتداب، ويعكس التداخل بين المرجعية الإسلامية التقليدية والنظام الإداري الحديث. كما أن تحديد مكان العقد في "غرفة من دار عبد الرحمن بن إبراهيم السوقلي بقرية قاقون" يبرز الطابع المحلي والاجتماعي للزواج، حيث كان يُعقد داخل البيوت، في فضاء عائلي خاص، مع ذلك بقي موثقاً رسمياً.
وفيما يتعلق بهويات أطراف العقد، تبيّن الوثيقة أن الزوج والزوجة ينتميان إلى البيئة الريفية نفسها (قرية قاقون)، ويعملان في الفلاحة، ما يعكس نمط الزواج الداخلي داخل القرية الواحدة، القائم على الروابط العائلية والاجتماعية المتقاربة. كما أن الفارق العمري البسيط بين الزوج (22 عاماً) والزوجة (25 عاماً) يُعدّ لافتاً مقارنة ببعض أنماط الزواج الشائعة، ويدل على درجة من التوازن العمري والاجتماعي بين الطرفين.
وتكتسب فقرة تحقيق السن وعدم الموانع أهمية خاصة، إذ تشير إلى وجود مضبطة رسمية صادرة عن مختاري القرية تؤكد بلوغ الزوجين وخلوهما من الموانع الشرعية والقانونية. ويعكس ذلك دور المختار بوصفه حلقة وصل بين المجتمع المحلي والسلطة القضائية، وضامناً لصحة البيانات الاجتماعية، كما يدل على حرص النظام القضائي على توثيق الأهلية الشرعية والقانونية قبل إبرام العقد.
أما المهر، فقد حُدِّد بخمسين جنيهاً فلسطينياً معجّلًا، دُفع كاملًا وقُبض بيد الزوجة حسب إقرارها. ويشير ذلك إلى أهمية المهر بوصفه حقاً خالصاً للزوجة، وإلى توثيق عملية القبض صراحة بحضور الشهود، بما يضمن عدم النزاع مستقبلًا. كما أن قيمة المهر، في سياق ثلاثينيات القرن العشرين، تُعدّ معتدلة وتعكس مستوى اقتصادياً متوسطاً يتناسب مع طبيعة العمل الزراعي للطرفين.
وفي جانب التمثيل والوكالة، نلاحظ أن شقيق الزوجة قام بدور الولي والوكيل، وهو أمر منسجم مع الفقه الإسلامي والأعراف السائدة، خاصة في حالة البكر. وقد جرى العقد بحضور شاهدين من أهالي القرية، مع توحيد أدوار الشهود في التعريف والوكالة والعقد، ما يعكس بساطة الإجراءات، مع الحفاظ على متطلبات الصحة الشرعية.
وتُظهر فقرتا الشروط والكفالة خلو العقد من أي شروط إضافية أو التزامات مالية مستقبلية، وهو ما يعكس نموذج الزواج التقليدي القائم على الصيغة البسيطة، دون اشتراطات خاصة، بما يتوافق مع الأعراف الاجتماعية السائدة آنذاك.
أما صيغة العقد، فقد جاءت مطابقة للصيغة الشرعية المألوفة، متضمنة الإيجاب الصريح من وكيل الزوجة، والقبول الفوري من الزوج بلفظ واضح في مجلس العقد، وهو ما يؤكد تحقق الرضا المتبادل، أحد أهم أركان صحة الزواج في الشريعة الإسلامية.
وأخيراً، فإن خاتمة الوثيقة، التي تتضمن توقيع المأذون وتواقيع الشهود وبصمة إبهام الزوج، تؤكد الطابع الرسمي والموثق للعقد، وتبرز الجمع بين التوقيع الخطي والبصمة كوسيلتين لإثبات الشخصية والرضا، في مجتمع كانت فيه مستويات التعليم متفاوتة.
خلاصة القول، إن هذه الوثيقة لا تمثل مجرد عقد زواج فردي، بل تُعدّ مصدراً تاريخياً واجتماعياً وقانونياً مهماً، يكشف عن طبيعة التنظيم الشرعي والإداري للزواج في فلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين، ويعكس تداخل العرف بالدين، والمحلي بالرسمي، والبسيط بالمؤسسي، في إطار مجتمع ريفي منظم تحكمه قيم الاستقرار والتوثيق والضبط الاجتماعي.