| PalestineRemembered | About Us | Oral History | العربية | |
| Pictures | Zionist FAQs | Haavara | Maps | |
| Search |
| Camps |
| Districts |
| Acre |
| Baysan |
| Beersheba |
| Bethlehem |
| Gaza |
| Haifa |
| Hebron |
| Jaffa |
| Jericho |
| Jerusalem |
| Jinin |
| Nablus |
| Nazareth |
| Ramallah |
| al-Ramla |
| Safad |
| Tiberias |
| Tulkarm |
| Donate |
| Contact |
| Profile |
| Videos |
Post Your Comment
*It should be NOTED that your email address won't be shared, and all communications between members will be routed via the website's mail server.
تمثل هذه الوثيقتان نموذجاً متكاملاً من سجلات الأحوال الشخصية الشرعية في فلسطين إبّان فترة الانتداب البريطاني، وتحديداً في قرية الطيبة التحتا التابعة لقضاء طولكرم سنة 1933. وهما تقدّمان مادة ثرية للتحليل الاجتماعي والقانوني والإداري، بما يعكس البنية المؤسسية والقيم السائدة في المجتمع الريفي الفلسطيني في النصف الأول من القرن العشرين.
تؤرخ الوثيقتان في 15 شعبان 1352هـ الموافق 2 كانون الأول/ديسمبر 1933، أي في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين (1920–1948). ويُلاحظ استخدام التقويمين الهجري والميلادي معاً، وهو ما يعكس الازدواجية الإدارية التي سادت آنذاك، حيث استمر العمل بالأحوال الشخصية وفق الشريعة الإسلامية، مع إدماجها في منظومة إدارية حديثة مرتبطة بالحكومة المركزية في ظل الانتداب. كما يرد ذكر قضاء طولكرم، ما يدل على التقسيمات الإدارية الرسمية التي اعتمدتها سلطات الانتداب.
الوثيقة الأولى هي شهادة زواج مختصرة تحمل رقماً تسلسلياً (17870 عدد 328)، وتشير إلى مطابقتها للأصل المسجل في الدفتر الرسمي لدى المأذون. وهي تمثل صورة رسمية مصدقة من السجل، صالحة للاستعمال القانوني أمام الجهات الرسمية.
أما الوثيقة الثانية فهي عقد الزواج التفصيلي، الذي يشتمل على كامل الصيغة الشرعية لعقد النكاح، متضمناً بيانات الطرفين، الولي، الشهود، مقدار المهر، صيغة الإيجاب والقبول، وأجرة المأذون. ويلاحظ النص الصريح على أجرة المأذون، 25 قرشاً في محله و50 قرشاً في غير محله، ما يعكس تنظيماً إدارياً دقيقاً لعمل المأذونين، ويشير إلى ضبط مالي رسمي يخضع للرقابة.
تكشف الوثيقتان عن ملامح المجتمع الريفي في الطيبة التحتا سنة 1933. فجميع الأطراف المذكورين – الزوج، الزوجة، الشهود – يمتهنون الفلاحة، ما يدل على الطبيعة الزراعية للاقتصاد المحلي. كما أن مكان إجراء العقد في بيت أحد الأهالي (أحمد بن الحاج قاسم حسين) يعكس الطابع الأهلي للعلاقات الاجتماعية، حيث تتداخل الحياة الخاصة والعامة ضمن فضاء القرية.
أعمار الزوجين (20 سنة للزوج و18 سنة للزوجة) تعكس نمط الزواج المبكر نسبياً، وهو أمر شائع في المجتمعات الريفية آنذاك، حيث يرتبط الزواج ببناء أسرة منتجة داخل البنية الزراعية.
كما يظهر بوضوح أن كلا والدي الزوجين متوفيان، الأمر الذي يفسر تولي العم (عبد القادر بن محمد حسن الكوري) ولاية الزواج عن الزوجة بصفته ولياً من العصبة، وهو ما يتفق مع أحكام الفقه الحنفي المعتمد في المحاكم الشرعية العثمانية والمستمر في عهد الانتداب.
حدد المهر بمبلغ سبعين جنيهاً فلسطينياً معجلًا، وقبضت الزوجة عشرين جنيهاً منه حال العقد. والجنيه الفلسطيني كان العملة الرسمية في عهد الانتداب، ومرتبطاً بالجنيه الإسترليني. ويعد مبلغ سبعين جنيهاً قيمة مالية معتبرة في سياق ثلاثينيات القرن العشرين، ما يدل على مكانة اجتماعية متوسطة أو جيدة للعائلتين.
ويلاحظ أن المهر وُصف بأنه معجل، ما يثير احتمال أن الباقي مؤجل عرفاً، وإن لم يُذكر صراحة في النص. كما أن إثبات قبض جزء من المهر بيدها يشير إلى وعي قانوني بأهمية توثيق الاستلام منعاً للنزاع المستقبلي.
من العناصر اللافتة في الوثيقة الثانية الإشارة إلى المضبطة المعطاة من مختار وهيئة اختيارية أهالي قرية الطيبة التحتا المؤرخة 29/11/1933، والتي تُشعر بخلو الزوجين من موانع النكاح الشرعية والقانونية. هذا يعكس دور المختار والهيئة الاختيارية في التثبت من الوضع الاجتماعي والقانوني للأطراف، بما يشبه شهادة حسن سلوك أو تحققاً من الحالة الاجتماعية (عدم وجود زواج قائم، عدم وجود قرابة محرّمة، إلخ).
كما أن صيغة الإيجاب والقبول وردت نصاً (زوجتك وأنكحتك موكلتي، قبلت هذا الزواج)، ما يدل على الالتزام الدقيق بالصيغ الفقهية، ويؤكد الطابع الشفهي-اللفظي للعقد، رغم تدوينه كتابياً.
يبرز اسم المأذون عبد الكريم ابن الشيخ حسن الخطيب، بصفته مأذون عقود الأنكحة الشرعية بالطيبة التابعة لقضاء طولكرم. وهذا يبين أن المأذون موظف معتمد رسمياً، وأن عمله مرتبط بالسجل المركزي. كما أن تأكيده مطابقة الشهادة للأصل المسجل يحمل دلالة أرشيفية مهمة، إذ يكشف عن وجود دفاتر منظمة مرقمة تحفظ العقود، ما يتيح إعادة بناء التاريخ الاجتماعي من خلال هذه السجلات.
تعكس الوثيقتان منظومة قيم تقوم على مركزية القرابة والعصبية العائلية، والدور الحاسم للولي في زواج المرأة، وحضور الشهود كضمانة اجتماعية وقانونية، واندماج العرف المحلي (المختار والهيئة الاختيارية) مع النظام القضائي الشرعي. كما أن استخدام البصمة من قبل وكيل الزوجة يدل على مستويات متفاوتة من التعليم، حيث كان التوقيع أحياناً مقتصراً على من يجيد الكتابة، بينما يعتمد الآخرون على البصمة.
تمثل هاتان الوثيقتان شاهداً أرشيفياً على استمرارية البنية الشرعية العثمانية في فلسطين خلال عهد الانتداب البريطاني، مع إدخال عناصر تنظيمية حديثة (الترقيم، الرسوم المحددة، الإشارة إلى القضاء). كما تكشفان عن مجتمع ريفي زراعي متماسك، تحكمه شبكة من العلاقات القرابية والمؤسسات المحلية، وتدار شؤونه الشخصية ضمن إطار شرعي منظم ومؤرشف بدقة.
ومن منظور البحث التاريخي، فإن مثل هذه الوثائق لا تقتصر أهميتها على بعدها القانوني، بل تمثل مصدراً أساسياً لدراسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في فلسطين قبل نكبة 1948، إذ تختزن في سطورها ملامح الحياة اليومية، وأنماط السلطة المحلية، وقيم المجتمع الريفي في تلك المرحلة.